رتبة الرهبان: بحسب تصنيفي للسحرة، فبعض سحرة الجن برتبة (
راهب)، من أعلى رتب سحرة الجن، ضمن (
طبقة اللاهوت)، أي الشياطين المتألهين، الذين يحاكون الله عز وجل في خصائصه، وهي أعلى طبقات السحرة على الإطلاق. وفكرة الرهبنة بترك الزواج فيها صوره من الترفع على طبيعة البشر، وتملص من عبودية الله تعالى، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام حريص على ترك الرهبانية، فقال: (
يا عثمان! إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟!) قال : لا يا رسول الله. قال: (
إن من سنتي أن أصلي وأنام، وأصوم وأطعم، وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني. يا عثمان! إن لأهلك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا). () فالرهبنة بترك الزواج اختياريا فيها ندية صريحة لله عز وجل، فهوالوحيد الذي لا يتخذ زوجة ولا ولد. والندية لله تعالى نهج شيطاني، فعلى سبيل المثال فإن عرش الله عز وجل على الماء لقوله تعالى: (
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء) [
هود: 7]، بينما جعل ابليس نفسه ندا لله عز وجل فجعل عرشه على الماء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
إنَّ إبليسَ يضَعُ عرشَه على الماءِ). ()
فرتبة الرهبنة فيها ما لا يخفى من الندية لله عز وجل، فهو تبارك وتعالى الغني فلا يفتقر إلى الزوجة، فيحاكي الساحر رب العزة تبارك وتعالى، فيستغني عن النساء، وإشباع رغباته الجنسية، ويكرس حياته للسحر، فينقطع له تماما، ليوهم أتباعه بألوهيته. وبهذا الفعل الكفري تزداد قوته السحرية بعظم ما فيه من وزر، حيث يقيض له بهذه الكبيرة قرائن معاصي، يدعمونه في سحره، فتظهر قوته أمام أتباعه، فيرهبونه بما يمتكله من قوة وحصانة سحرية. فالرهبنة فعل ملزم له ولمن علاه مراتب السحرة، انتهاءا برتبة (المتأله)، وهو شيطان ساحر يتخذ من نفسه إلاها، يعبده من تحته من الشياطين والسحرة. وهذا لا يمنع أن يكون له نسل وذرية سواء قبل وصوله إلى هذه الرتبة، لكن من المفترض أنه وصل إلى مرحلة من التشبع، يستغني فيها عن ممارسة الجنس لإشباع شهوته، فيجب أن يكون أقوى من هذا الضعف والاحتياج، ليرضي غروره كأحد رتب طبقة اللاهوت، ليكون جديرا بأن يعبده من حوله من الأتباع.
مع ملاحظة أمر غاية في الأهمية، وهو تفاوت تأثر الجن بالبخور، وهذا مرجعه إلى مدى قوة هذا الجني، وقدرته على التحكم في ذاته وجبر كل نقص فيه. فهناك من الجن لفرط قوته وعلمه لا يتأثر بكل هذا العلم المتخصص، ولا يحرك فيه ساكنا، وهم أصحاب الرتب العالية من سحرة الجن، وهي رتب حصرية، لا يصلها أحدهم باجتهاده الشخصي، وإنما هي رتب تمنح برغبة من (العالين) من الشياطين وسحرة الجن، قال تعالى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) [ص: 75]. وهم أعلى رتب شياطين الجن، وخارج طبقات السحرة، فلا يسمحون لأحد بالوصول إليها إلا بموافقتهم عليه، على أن يحمل من الضمانات والولاء ما يسمح له بالاطلاع على مخططاتهم العالمية والكونية التي يديرونها للسيطرة على العالم، ومحاولة تغيير مجريات الأحداث الهامة، والمشاركة في وضع خططها وتنفيذها، خاصة تلك النبوءات التي ذكرها الأنبياء والمرسلون عليهم السلام.
وأصحاب تلك الرتب العالية لا يجدي معهم إلا الحوار العلمي المقنن، والتعامل بالحسنى، وهذا يتطلب معالج على مستوى رفيع من العلم والفقه، وأن يكون متشعب الاطلاع، وعلى دراية بجميع الثقافات والمعارف المختلفة، على أن لا يغتر معالج بما يحمله من علم، ما لم يتحلى بمرونة العقل، وكياسة في التعامل مع أصحاب هذه الرتب العالية، فهم بكل بد أوسع منه علما واطلاعا، وأشد مكرا ودهاءا، فلا يستخفن معالج بعقل أي شيطان، ومهما بلغ من العلم فيجب أن يعلم أن من الجن من هم أوسع منه علما واطلاعا، فلا يركبه الغرور، فإما أن يسلموا بحر إرادتهم، أو ينصرفوا بحر إرادتهم كذلك. ولكن مقابلة مثل هذه الرتب العالية هو من الحالات النادرة جدا، التي عز أن يقابلها معالج في حياته، وربما يموت ملايين المعالجين، ولا يصل إلى مواجهة أمثال هؤلاء، فأمثال هؤلاء لن يتركوا عروشهم لخدمة سحر، إلا أن يكون المريض ذو شأن وحيثية، فلا يجب أن يخدع المعالج أو المريض بأي ادعاءات يزعمها سفلة الشياطين ليدخل في قلبيهما الضعف والوهن.
الرهبنة في حقيقة الأمر بدعة شيطانية، اختص بها سحرة الجن أنفسهم، وتبعهم فيها من تبعهم من السحرة والوثنيين، ومنهم النصارى من أهل الكتاب، قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [الحديد: 27]. وهذا من أسرار أكابر سحرة الجن والإنس، ربما هذا يكشف لنا النقاب عن مصدر رهبانية النصارى المبتدعة لقوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) زاعمين أنهم يبتغون بها مرضات الله، فمحال أن يكون قد كتب الله عز وجل عليهم الرهبانية وقد أقر أنها بدعة، بدليل قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ). مما يعني أن الرهبنة بدعة لم يأت بها المسيح عليه السلام، مما يمتنع في حقه الرهبنة، ابتدعها النصارى من بعده ليخالفوا بها سنة نبيهم عليه السلام، أي أن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام تزوج قبل أن يتوفاه الله عز وجل، وهذا لا يمنع أن له نسلا وذرية، لدعوة امرأة عمران في قوله تعالى: (وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36]، فإيراد ذكر ذرية مريم عليها السلام من قوله: (وَذُرِّيَّتَهَا)، دليل قوي على أن نسلها ممتد غير مقطوع برهبانية، مما يجزم ببشرية المسيح وأمه عليهما السلام، وينفي عنه التأليه المزعوم، والمنسوب إليه كذبا، وزورا من القول.